أسعد السحمراني

54

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

الإنسان وقلبه بالخالق ، عندها يكون هذا الارتباط نورا لقلبه يهتدي به ، ويمنحه ثبات الخطى في وجه أعاصير الشهوات ، وإغراءات الحسّيّات ، فترى الإنسان في هذه الحالة متغافلا عما يحيط به من أصناف اللذة والألم ، وذلك بسبب انشداده كليا ، وتعلّقه بخالقه . فطريق الخلاص هو إهمال البدن وقواه ، والانصراف بالكليّة إلى الروح وتزكيتها وتطهيرها . ومما جاء في وصايا الهندوس ، التي تعزّز هذا المنهج ، قولهم : « إن كنت تريد الخير المحض فاحرس أبواب بدنك . . . واعرف الوالج فيها والخارج منها ، واحبس فؤادك عن نشر أفكاره . . ولا تر الإحساس طباعا في آلات الحواس حتى لا تتبعه . والقسم الثاني : العقلي ؛ بمعرفة سوءة الموجودات المتغيّرة والصور الفانية حتى ينفر القلب عنها ، وينقطع الطمع دونها . . ذلك أنّ المحيط بأحوال الدنيا يعلم أن خيرها شرّ ، وراحتها مستحيلة في المكافأة إلى شدّة ، فيعرض عمّا يؤكّد الارتباك ويولّد المقام » « 1 » . إن هذا التشريع الأخلاقي الصارم في العقيدة الهندوكية التي يستلزم مداومة ممارسة العبادات ، وعدم التعلّق بزينة الدنيا ، ارتبط عندهم بنظام طبقي جائر عزوه إلى الطبيعة والفطرة ، ولذلك فأخلاق كل شخص تكون فاضلة بمقدار التزامه بقواعد مسلكية في حياته حدّدها له موقعه في طبقته بحيث باتت المقولة السائدة عندهم : خير لك أن تؤدي عملك المقسوم لك أداء سيّئا من أن تؤدّي عملا مقسوما لغيرك أداء حسنا . لقد تأصّل هذا النظام الطبقي في حياة الهندوس ، وصار الفرد منهم يحسّه وكأنه جزء لا يتجزّأ من نظام حياته . « ولقد بلغ هذا التصوّر للأخلاق من الرسوخ في القدم مبلغا جعل من المتعذّر على الهندوس جميعا ، ومن المستحيل على الكثرة الغالبة منهم ، أن ينظروا إلى أنفسهم نظرة لا تجعلهم أعضاء طبقة معيّنة ، تهديهم وتقيّدهم قوانينها » « 2 » .

--> ( 1 ) البيروني ، م . س ، ص 70 . ( 2 ) ديورانت ، ول ، م . س ، ص 171 .